نورالدين علي بن أحمد السمهودي
38
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
وفي الصحيحين حديث : « إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها » ويأرز كمسجد أي : ينقبض ويجتمع وينضم ويلتجئ ، وقد رأينا كل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لحبه في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيشمل ذلك جميع الأزمنة ؛ لأنه في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم للتعلم منه ، وفي زمن الصحابة والتابعين للاقتداء بهم ، ومن بعد ذلك لزيارته ، وفضل بلده ، والتبرك بمشاهدة آثاره ، والاتباع له في سكناها . وروينا في فضائل المدينة للجندي حديث : « يوشك الإيمان أن يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها » يعني : يرجع إليها الإيمان . وأسند ابن زبالة حديث : « لا تقوم الساعة حتى يحاز الإيمان إلى المدينة كما يحوز السيل الدّمن » . وقد تقدم في الأسماء حديث الصحيحين : « أمرت بقرية تأكل القرى ، يقولون يثرب وهي المدينة » قال ابن المنذر : يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها ؛ فمعناه أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكاد تكون عدما ، وهذا أبلغ من تسمية مكة « أم القرى » ؛ لأن الأمومة لا تنمحي معها ما هي له أم ، لكن يكون لها حق الأمومة ، انتهى . وجزم القاضي عبد الوهاب بهذا الاحتمال . وروى البزار عن علي رضي الله عنه حديث : « إن الشياطين قد يئست أن تعبد ببلدي هذا » يعني : المدينة « وبجزيرة العرب ، ولكن التحريش بينهم » وله أصل في صحيح مسلم من حديث جابر . وروى أبو يعلى بسند فيه من اختلف في توثيقه وبقية رجاله ثقات عن العباس رضي الله عنه قال : خرجت مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم من المدينة فالتفت إليها وقال : « إن الله قد برأ هذه الجزيرة من الشرك » وفي رواية : « إن الله قد طهّر هذه القرية من الشرك ، إن لم تضلّهم النجوم ، قال : ينزل الله الغيث ، فيقولون : مطرنا بنوء « 1 » كذا وكذا » وقد تقدم في الأسماء تسميتها بالمؤمنة والمسلمة ، وأنه لا مانع من إجرائه على ظاهره فهو مقتض للتفضيل ، سيما وسببه ما سبق من كونه صلّى اللّه عليه وسلّم خلق من تربتها . وقد استدل أبو بكر الأبهري من المالكية على تفضيلها على مكة بما سبقت الإشارة إليه من أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مخلوق من تراب المدينة ، وهو أفضل البشر ، فكانت تربته أفضل الترب . قال الحافظ ابن حجر : وكون تربته أفضل الترب لا نزاع فيه ، وإنما النزاع هل يلزم من ذلك أن تكون المدينة أفضل من مكة ؟ لأن المجاور للشيء لو ثبت له جميع مزاياه
--> ( 1 ) النوء : المطر الشديد . و - النجم إذا مال للغروب .